الفصل الثالث — أنت حيث تنتهي الكوابيس— مهتاب I

⚠️ مناسب للقراء البالغين. قد يحتوي على محتوى مثير للمشاعر. ⚠️
مهتاب ~ الاثنين، 17 أكتوبر 2016
هززت رأسي نفيًا. “لا، لا يوجد أحد. كل ما في الأمر أنني تعرفت إلى شخص اليوم. في الحقيقة، لا يمكن القول إننا تعارفنا تمامًا، فأنا لا أعرف سوى اسمه واسم عائلته. إنه شخص مزعج… شعرت بشيء غريب حين التقت أعيننا.”
رفعت خالتي رأسها ونظرت إليّ. “إذًا شعرتِ بالحماس تجاه شخص ما؟ أنتِ… شعرتِ بشيء تجاه رجل، أهذا ما تقصدينه؟”
“يا إلهي!” هتفت بدهشة وهي تنظر إلى سقف الغرفة. “استجب لدعائي! أريد أن أتعرف إلى هذا الرجل الذي جعل ابنتي تشعر بشيء قبل أن أموت.”
“مهلًا، مهلًا! أنا إنسانة أيضًا، وبالطبع أستطيع الشعور بالأشياء. كل ما في الأمر…”
تهدلت كتفاي. “أعرف أنني لن أستطيع تلبية توقعات الشخص الآخر. فلماذا أجرّ شخصًا آخر إلى جحيمي؟ لا أحد يقدم التضحيات في العلاقات هذه الأيام يا خالتي.”
كانت على وشك فتح فمها حين انفتح باب الغرفة. دخلت إحدى الممرضات اللواتي أعرفهن. حيّتني بإيماءة من رأسها، ثم توجهت إلى خالتي. أعطتها أدويتها لتخفيف آلامها ومساعدتها على الشعور ببعض الراحة.
قالت “أتمنى لكِ الشفاء العاجل”، ثم غادرت الغرفة.
وبينما كانت خالتي توشك على النوم، تمتمت. “مهتاب.”
اقتربت منها وانحنيت نحوها. “نعم يا خالتي؟”
رمشت بعينيها ببطء. “قد يؤدي الإيثار إلى مأساة وهو يشكّل المستقبل.” شعرت بيدها تستقر فوق يدي.
“التضحية ليست دائمًا أمرًا جيدًا يا keça min. لا تنسي قيمتكِ.”
حين أغمضت عينيها، أدركت أنها نامت. خرجت بهدوء إلى الممر وجلست على أحد المقاعد الموجودة في منطقة الانتظار.
أسندت رأسي إلى الجدار. وظللت أفكر لبعض الوقت في كلمات خالتي. لا بد أنني كنت متعبة من أحداث اليوم، لأنني غفوت بعد وقت قصير.
🥀 ~ ✨ ~ 🥀
“أبي… الإسعاف؟”
لم أكن متأكدة إن كان قد سمع صوتي. “أبي، اتصل بالإسعاف فورًا!”
ظل واقفًا في مكانه يراقبنا فحسب.
“هل أنا من فعل هذا؟” عقدت حاجبيّ، عاجزة عن فهم سؤاله.
نظر أبي، كما لو أنه في حالة صدمة، إلى المعدن الحاد الذي يحمله في يده، ثم إلى المادة الحمراء الداكنة ذات القوام الهلامي التي لطخت أصابعه. وحين اتجهت نظراته نحونا، لاحظت أن وجهه قد شحب.
نهضت وتوجهت نحو مخرج القصر. وحين فتحت الباب الخارجي، صرخت بكل قوتي. “Dapîr! Ap! Bıraşîr! ألا يوجد أحد؟ ساعدوني!”
حين سمعت وقع أقدام قادمة من الطابق السفلي، عدت إلى جانب أمي. “Dayê. تماسكي يا Dayê. إنهم قادمون… سنذهب إلى المستشفى فورًا. تماسكي قليلًا بعد.”
نظرت إلى وجهي بما تبقى لديها من قوة، ثم أغمضت عينيها. الطنين… الدوار… الرائحة المعدنية المنتشرة في المكان وهي تحرق حلقي… الأحاديث والصراخ من حولي…
كانت أظافري تنغرس في جلدي بجنون، لكنني لم أشعر بالألم.
نهضت وتوجهت إلى شرفة القصر. لم أكن قد نمت سوى بضع ساعات، وربما كنت لا أزال أحلم. كل ما حدث… كل هذا… لم يكن من الممكن أن يحدث لأمي وأبي اللذين كانا ينظران إلى بعضهما بكل ذلك الحب. كنت داخل حلم سخيف فحسب. كنت أتألم بشدة. كنت أختنق.
بينما كنت أتسلق الدرابزين الحجري، ضربت الريح وجهي ودفعت شعري إلى الخلف. لم أفكر ولو للحظة.
الجميع سمّوا ما فعلته انتحارًا، أما أنا فأسميته استيقاظًا… لم يكن سوى واحد من الكوابيس التي أراها كل ليلة بلا انقطاع.
كان كل استيقاظ يعقبه كابوس جديد. وفي كل مرة، كنت أشعر بأنني محاصرة. كنت أستيقظ من كوابيس التنمر الذي تعرضت له في دار الأيتام، لأجد نفسي عائدة إلى تلك الذكرى التي أطفأت ألوان حياتي. في الحقيقة، كانت كلها مجرد أحلام، وقد أصبحت من الماضي.
“خالتي، هل أنتِ من جاء؟” توجهت نحو غرفة المعيشة.
كانت خالتي تعمل ليلًا، ولم تكن تعود إلى المنزل عادةً في مثل هذه الساعة. في شبابها، كانت تعمل كونسوماتريس في أحد ملاهي الغازينو، أما الآن فكانت تساعد الرجل الذي تولى إدارة المكان. وعلى الرغم من تقدمها في العمر، كانت لا تزال امرأة معروفة في أنقرة، وكان الرجل يستفيد من خبرتها في هذا المجال إلى أقصى حد. (ملاحظة المؤلف: «الغازينو» مكان ترفيهي في تركيا يقدم الموسيقى والعروض الفنية. و«الكونسوماتريس» امرأة تعمل على مؤانسة الزبائن، عادةً بالحديث معهم ومشاركتهم المشروبات.)
“خالتي؟” وحين لم أجد أحدًا في غرفة المعيشة، توجهت نحو المطبخ.
لم أكن أعرف أيهما كانت أقل حظًا في هذه الحكاية، أمي أم خالتي. كانت أمي قد تزوجت أبي عن حب، ثم قُتلت بوحشية على يد الرجل الذي أحبته. وبعد إجراء العديد من الفحوصات، أقرت المحكمة بأن أبي كان يعاني اضطرابات نفسية، وأنه أصيب بسببها بنوبة فقد فيها السيطرة على نفسه. وعلى الرغم من أنه حوكم وهو رهن الاحتجاز طوال الإجراءات، فإنه لم يمكث في السجن طويلًا. دخل السجن وخرج منه عدة مرات، لكنه قضى معظم الوقت يتلقى العلاج في إحدى المصحات.
أما خالتي، فقد تعرضت لسنوات من العنف على يد الرجل الذي زُوّجت له، لأنه لم يكن لهما أطفال. وبعد تدخل أبي وأمي ومحاولاتهما حمايتها، ذهبت خالتي مع زوجها إلى المستشفى لإجراء الفحوصات، وتبين أنها لا تعاني أي مشكلة. وعندها اكتُشف أن زوجها هو العقيم، فأقدم الرجل على إنهاء حياته.
وما إن ظنت خالتي أنها تحررت أخيرًا من ذلك العذاب، حتى ماتت أمي ودخل أبي السجن، فحاولوا تزويجها من شقيق زوجها المتوفى الأصغر سنًا.
وحين علمت أنني أُودعت دار رعاية حكومية في أنقرة، تمكنت من الهرب إلى هناك بعد أن باعت بعض قطع حليّها. في البداية، لجأت إلى إحدى الجمعيات وعملت في التنظيف، لكن عائلة زوجها لم تتركها وشأنها.
وبعد فترة، قادتها الظروف إلى المكان الذي تعمل فيه الآن. كان آنذاك ملهى من نوع البافيون، يرتاده زبائن ذوو نفوذ. ولهذا تظاهروا بأنهم يحمون خالتي، بينما كانوا يستغلون طيبتها وسذاجتها. (ملاحظة المؤلف: «البافيون» نوع من الملاهي الليلية في تركيا يقدم المشروبات الكحولية، وغالبًا ما يضم موسيقى ونساء يرافقن الزبائن ويؤانسْنهم.)
على الرغم من أن المجتمع كان يحكم على خالتي بسبب العمل الذي تقوم به، فإنها في الحقيقة كانت امرأة طيبة. لو كان لديها خيار آخر، لما تزوجت ذلك الرجل، ولما عملت في هذه الأعمال.
حين دخلت المطبخ، وضع أحدهم يده على فمي وجذبني نحوه. وقبل أن أستوعب ما يحدث، بدأت أقاوم وأتخبط محاوِلة الإفلات.
“ششش! الزمي الصمت يا شعلة النار. لا تقلقي، سأفعل كل ما بوسعي كيلا أفسد هذا الجمال.”
انتفض جسدي كله خوفًا، وبدأ حلقي يحترق من شدة رغبتي في الصراخ. أخذت أحرّك ساقيّ بعشوائية، محاوِلة التحرر من قبضته. لكنه ضغطني أكثر إلى جسده المقزز. وبينما كانت الدموع تنهمر على خديّ، اقترب أحد مفاصل أصابعه من فمي. عضضت إصبعه بقوة. وحين تراجع متألمًا، بدأت أصرخ بكل ما أملك من قوة.
شعرت كأن القوة التي كانت في ساقيّ قد انسحبت من جسدي كله. حاولت التقدم نحو الباب الخارجي مستندة إلى الجدار. وفي تلك اللحظة، استعاد توازنه وأمسك بشعري الذي كنت قد ربطته على هيئة كعكة، وشدّه بعنف.
بدأت أصرخ. “توقف! أنت تؤلمني، اترك شعري!”
أدارني نحوه وصفعني بقوة على وجهي. ومن شدة الصفعة، ارتطم رأسي بخزانة المعاطف الموجودة في المدخل، ثم سقطت على الأرض.
“أرجوك لا تفعل! أتوسل إليك، أرجوك لا تفعل!”
مهما صرخت وتوسلت، ظل يقترب مني. أمسك بشعري وأدار رأسي نحوه.
“انظري إلى حالكِ. انظري ماذا حدث لوجهكِ الجميل. أنتِ المسؤولة عن هذا! كل ما كان عليكِ فعله هو التزام الصمت.”
تعمدت أن أصرخ بصوت أعلى. كان لا بد أن يسمعني أحد ويأتي لمساعدتي الآن.
“أغلقي فمكِ! أنتِ تزيدين غضبي!”
“لا تلمسني! النجدة! ساعدوني! ألا يوجد أحد؟”
“حسنًا… واصلي الصراخ. لن أكون لطيفًا معكِ بعد الآن.”
كان الجانب الذي صفعه من وجهي يشتعل نارًا، وكان جسدي كله يرتجف تحته. لا أعرف كم استمر ذلك. تحطم قلبي، وتمزق جسدي. قلبي الذي برد منذ موت أمي تجمد تمامًا في تلك اللحظة أمام الباب.
انتشلني الدفء الذي شعرت به في يدي فجأة من المكان الذي كنت فيه. كنت في أسوأ لحظة من كابوسي، وكنت أعرف… أن هناك المزيد. لم يكن ينتهي هنا. الدفء. نعم، هذا الدفء الذي شعرت به هو ما أبعدني سريعًا عن ذلك الظلام الجليدي.
شعرت بنسمة هواء تلامس وجهي، ثم بدأ أحدهم يمرر يده على شعري برفق. كان الأمر غريبًا. شعورًا مألوفًا جدًا، مألوفًا للغاية، لكنني لم أستطع تحديد ماهيته. وبينما كنت أتأرجح بين النوم واليقظة، ظل جسدي متصلبًا بسبب الكوابيس التي رأيتها.
قبّل أحدهم ظهر يدي برفق، ثم وضع شيئًا في راحة كفي. وقبل أن يتمكن عقلي من إدراك ماهيته، تبددت أفكاري كلها مع الرائحة التي ملأت أنفي. كنت أشعر بإرهاق شديد إلى درجة أنني لم أملك القوة لفتح عينيّ. ربما كان العرق يتصبب مني حبات صغيرة بسبب الكوابيس التي رأيتها.
في الظروف العادية، لم أكن لأسمح لأحد بلمسي بهذه الطريقة أبدًا، ولكنت أقمت الدنيا ولم أقعدها، لكنني الآن لم أستطع فعل أي شيء. كنت أقاوم بصعوبة بينما كان عقلي يحاول إغلاق نفسه.
استقر رأسي مستندًا إلى شيء ما، بينما أُحيط جسدي بإحكام. شعرت كأنني لا أملك خيارًا سوى الاستسلام لهذا الدفء.
قال صوت مألوف. “وجدتكِ أخيرًا، يا نور قمري.”
ومع رائحة الورود التي ملأت أنفي، لم أستطع استيعاب الكلمات التي تلت ذلك. استسلم عقلي فجأة للنوم.
🥀 ~ ✨ ~ 🥀 ~ ✨ ~ 🥀 ~ ✨
⚠️ مناسب للقراء البالغين. قد يحتوي على محتوى مثير للمشاعر. ⚠️
🪶 R ~ U ~ Y ~ A ~ M B ~ O ~ O ~ K ~ S 🪶
💜 هل تتابعنا؟
✨ لا تنسَ متابعتنا 👇
Instagram: @ruyam.books @yazar.ruyam
Tiktok: @yazar.ruyam Youtube: Ruyam
انضم إلى نادي الحالمين!
احصل على فصول لم تُنشر بعد، ومعاينات مجانية، وفصول من منظور الشخصية الذكورية، تُرسل مجانًا إلى بريدك الإلكتروني.
.png)



تعليقات